Advertise

Iraqalaan Logo

English Version 21. .2008 آخرتحديث بتاريخ

باعة الزبيب ببغداد قد يدخلون المتحف أو يستمرون في الهتاف "اشرب الزبيب شويه.. وأنسى العملية السياسيه"

Published 6.8.2008, 18:19

باعة الزبيب

عماد الشرع/ نيوزماتيك/ بغداد

"اشرب زبيب وأنسى الحر الرهيب، بارد الزبيب اشرب يا حبيب"، هكذا كان يهتف البائع المتجول فتاح سالم 38 سنة في عدد من شوارع وسط بغداد، لبيع ما بقربته من شراب الزبيب الذي يحبه العراقيون، خصوصا في أيام الصيف التي تزيد فيه درجة الحرارة على الخمسين درجة مئوية.

وعلى الرغم من أن علامات الإرهاق والتعب بدت على سالم، من جراء التجوال لبيع الزبيب وسط الأجواء الحارة، إلا أنه لم يكف عن مواصلة الهتاف لعصيره بكلمات جديدة منسجمة مع الواقع الاجتماعي العراقي الحالي، عقب إسقاط نظام صدام حسين في عام 2003، مثل "اشرب حباب، وأتذكر الأصحاب"، و"برد قلبك شويه، ولا تفكر بالعملية السياسية".

لكل مواطن بغدادي همه الخاص، وسالم لا يختلف في ذلك عنهم، وهمه هو أن يبيع ما لديه من زبيب بسرعة خلال الساعات الأولى من الصباح، إلا أن انتشار المشروبات الغازية بكافة أنواعها في محال بغداد، ولدى الباعة المتجولين جعل هذا الأمر صعبا.

في أيام صدام كنت أبيع كل ما لدي.. أما الآن فلا

باعة الزبيب-2

يقول سالم، "في السابق وخصوصا أيام نظام صدام حسين، كنت أبيع ما لدي في وقت محدد لأن صدام كان يمنع استيراد العصائر والمشروبات الغازية، أما الآن فهناك إقبال قليل بسبب وجود أنواع المشروبات الغازية والعصائر المستوردة، من جميع دول العالم في الأسواق العراقية".

مع هذا فان سالم يرى أن وجود أنواع العصائر والمشروبات الغازية في السوق، لم يؤثر كثيرا، لأن "الطلب على شراب الزبيب مازال كبيرا، خصوصا من الكبار الذين يعتقدون انه مفيد للصحة"، فضلا عن أن "طريقة بيعي والكيس الذي أحمل فيه الزبيب والأواني النحاسية التي أطرق بعضها ببعض، تذكرهم بالأيام الجميلة للعاصمة بغداد أيام شبابهم".

ويعتبر سالم عملية بيع الزبيب بالنسبة له تحديا، لأنه يعيش صراعا بين حاجة أسرته لعمله وحرارة الشمس وسيره المتواصل لبيع الزبيب من جهة، وبين ارتداء زي تراثي كامل يجعل مظهره مميزا وغريبا، بين شوارع بغداد وسياراتها من جهة أخرى، وتزيد هذا المشهد غرابة هتافاته المتواصلة والطريفة.

ومن المعروف أن مرور باعة الزبيب الجوالين اليومي بين شوارع بغداد وأزقتها، كان من أبرز سمات المدينة حتى وقت قريب، وعلى الأخص في مناطقها وأسواقها القديمة التي تقع وسط العاصمة، مثل الشورجة والبتاوين والسعدون والفضل والصدرية.

إنهم يذكرونني بأيام الشباب والزعيم"كرومي"

باعة الزبيب-3

ويقول لطيف العاني 65 سنة، وهو من سكنة منطقة الفضل وسط العاصمة العراقية، لـ"نيوزماتيك"، إن "بائع الزبيب المتنقل كان في الماضي هو الوحيد القادر على إنهاء عطش أي شخص يمشي في شوارع بغداد القديمة ومحلاتها، في وقت لم تنتشر فيه بعد محال كثيرة للعصائر أو بيع المشروبات الغازية".

ويضيف العاني إن "جميع الناس الأغنياء منهم أو الفقراء كانوا يشربون منه لإرواء عطشهم، في الخمسينيات والستينيات عندما كانت يوميات المجتمع العراقي بسيطة، وليست بالتعقيد الذي هي عليه الآن".

ويلفت العاني إلى أن "باعة الزبيب هم تقريبا الشيء الوحيد الذي بقى من إرث بغداد القديمة، فأغلب المهن القديمة اختفت  بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية التي مر بها البلد خلال السنوات الخمس الماضية، ولا نريد أن يختفي بائع الزبيب من شوارع بغداد القديمة كما اختفى الربل"، (وهي عربة لنقل الأشخاص يجرها حصان كانت تعمل في بغداد حتى مطلع الستينيات).

وبعد أن جال العاني بنظره إلى البنايات التي حوله، عاد ليقول "بصراحة، في كل مرة انظر فيها إلى بائع الزبيب هذا، تعود إلي ذكريات الشباب الجميلة في نهاية العصر الملكي، وبداية العهد الجمهورية، وخصوصا عندما كان كرومي رئيسا للجمهورية حيث أيام الهدوء والخير"، (ويقصد بكرومي الزعيم عبد الكريم قاسم، 1958-1963).

ويدعو العاني الذي بدت عليه ملامح الكبر في السن والتعب، في نهاية حديثه الحكومة العراقية إلى "الحفاظ على كل المهن والإعمال التي ترمز لبغداد القديمة، من خلال دعمها لأنها تمثل الروح الحقيقية لبغداد".

آخر عشرة باعة زبيب في بغداد

باعة الزبيب-5

بائع زبيب دوار آخر هو "حسين علي" وجدناه يجول بصوته الجهوري في شارع السعدون وسط العاصمة بغداد، مرتديا وشاحا أصفر من الجلد المشمع، وعلى جانب من ظهره جربة كبيرة من الجلد المبطن بالنايلون والمغلف بالقماش، وعلى وسطه يلتف حزام فيه سير نحاسي اللون صنع من مادة الصفر علقت على مقدمته حلقات وضعت فيها ثلاثة أو أربعة أقداح زجاجية، وفي يده طاسة صفراء اللون يضربها بأختها لجذب انتباه الجميع بقدومه، أي بائع الزبيب من بعيد.

كانت العبارة المفضلة لعلي هي المناداة على الزبائن هكذا "اشرب زبيب، اشرب بارد الزبيب، هذا الزبيب الرهيب".

حسين المبتسم دائما استمر في هتافه، بين لحظة وأخرى حتى وهو يتحدث مع "نيوزماتيك"، وبعد أن قام بغسل قدح من أقداح الزبيب لتقديمه لنا كعنوان لكرمه، بدأ يروي لنا قصة هذا الزبيب "نحن مجموعة تضم عشرة شباب نخرج كل يوم من مقر تجمعنا في حي البتاوين بمنطقة الباب الشرقي، إلى مناطق مختلفة من العاصمة بغداد لبيع الزبيب، حيث ندور في شوارع بغداد من التاسعة صباحا إلى الساعة الثانية ظهرا، وفي بعض الأحيان نتأخر ساعة أو نعود قبل ساعة، وهذا يرتبط ببيع كل ما لدينا من زبيب".

وعن مصير عمله وزملائه في الشتاء، قال حسين علي إننا "نعمل في الصيف فقط، أما في الشتاء فنضطر للعمل في بناء المنازل، أو بالأجرة اليومية كعتالين، أو في معامل الحلويات في البتاوين".

لسنا بحاجة لتبرير عادات غير صحية بحجة أنها تراثية

من جهة أخرى لا يسلم باعة الزبيب من انتقاد طريقتهم في تحضير الزبيب، إذ ترى الدكتورة صبا سامي 36 سنة، وهي طبيبة باطنية وأطفال أن "على المؤسسات الصحية في العراق منع بيع الزبيب وغيره من المشروبات التي يبيعها الباعة الجوالون"، مشيرة إلى أنها "في أغلب الأحيان تسبب أمراضا بسبب البيئة غير السليمة وغير الصحية التي يصنع فيها العصير".

وتضيف "على الرغم من أن بائع الزبيب يمثل شكلا من أشكال بغداد القديمة، إلا أن الوقت تغير، وأصبح هذا الشكل يتسبب في انتشار أمراض معينة مثل الإسهال وغيرها، بسبب عدم نظافته".

باعة الزبيب-6

وتساءلت الطبيبة صبا سامي "ترى هل يعرف الذي يحتسي الزبيب كيف صنع أو ما الذي بداخله؟"، وتجيب على سؤالها بالقول "بالتأكيد لا، لأنه عطشان ويرغب في إطفاء عطشه، ولهذا فإننا لا نحتاج أن نبرر عادات غير صحية بحجة أنها تراثية"، موضحة "أن الأقداح التي لدى بائع الزبيب تنقل الأوبئة من شخص إلى آخر، لأنها لا تغسل بمواد معقمة بل بالماء فقط".

لكن أريب محمد 28 سنة خريج كلية الآداب في الجامعة المستنصرية يرى "ضرورة الحفاظ على مهنة بائع الزبيب وغيرها من المهن الجوالة، لأنها تمثل موردا ماليا لعدد غير محدود من العائلات العراقية".

وتابع محمد إنه لم يسمع يوما عن إن "أحدا نقل إلى المستشفى بسبب بائع زبيب، بل إن أغلب الحالات تتم في مطاعم ومحلات العصائر المعروفة، حيث تنتشر الأوبئة والأمراض"، حسب قوله.

ويؤكد محمد أن "هذه المهنة لا تؤثر على غيرها من المهن، خصوصا في مناطق بغداد القديمة التي تمثل أصل  العاصمة العراقية بغداد".

هل سيدخل بائع الزبيب المتحف؟

باعة الزبيب-4

وبالرغم من وجود أراء متناقضة حول مهنة بائع الزبيب في العاصمة العراقية بغداد باعتبارها تمثل جزءا من ذاكرتها القديمة، فإن البعض يؤكد أن هذه المهنة في طريقها للزوال، بالضبط كما اختفت العديد من معالم بغداد القديمة.

ويرى الأستاذ في كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد، جاسم ناجي 55 سنة أن "هذه المهنة ستختفي بالتدريج، ويكون مكانها المتحف فقط ، بسبب عدم وجود اهتمام حقيقي من قبل سكان بغداد بأي شي يشير إلى الزمن الماضي الذي عاشته العاصمة".

ويضيف ناجي إن "مهنة بائع الزبيب حافظت على بقائها لوجود بعض الزبائن لها في الشارع، لكنها ستختفي مثل ما اختفى بائع "الشعر بنات"، وأصحاب الربل وغيرها من المهن التي كانت تشتهر بها بغداد القديمة".

وتابع ناجي قائلا إن "بائع الزبيب وصيحاته الدعائية التي يجوب بها شوارع وسط العاصمة، رغم تذكيرها لنا بالحقب الزمنية التي مر بها العراق سابقا، إلا أنها لا تستطيع أن تقاوم التطور والظروف الحالية في العراق التي يبدو أنها تتجه لتغيير كل شيء".

 

تعليقات

3 comment(s) on this page. Add your own comment below.

m3eedia
6.8.2008 19:38 [ 1 ]

مقال رائع فعلاً وموضوع يستحق النشر والاهتمام.. يوجد العشرات من هذه المهن القديمة التراثية الراقية التي يجب على وزارةٍ ما تهتم بهم وتقدم لهم المعونات التي يحتاجونها .. فمثلا ً بائع الزبيب هذا ممكن أن يخضع لدائرة الصحة ويحصل على هوية مميزة خاصة به للتأكد من خلوه من الامراض وكذلك الاشراف على طريقة صناعة عصير الزبيب وبذلك نستطيع أن نضمن بقاء المهنة مع المحافظة على السلامة العامة.. ويبقى العراق زاه ٍ بألوانه بطعمه الراقي بمذاقه العجيب في كل شي حتى الطعام والشراب.. ويبقى العراق واحد موحد من شماله إلى جنوبه لا يمكن أن يكون العراق عراق الا بوحدة أراضيه وحرمه حدوده.. محبتي لكم وشكرا ً لصاحب التقرير المميز.. معيدية أم المعدان

سامر العراقي
7.8.2008 10:58 [ 2 ]

مقال جميل ووافي عن بائع الزبيب في العاصمة الحبيبة بغداد وياريت تقاير وتحقيقات كثيرة عن عادات بغداد القديمة وتراثها ومحلاتها وازقتها لتعريف العالم ببغداد وماتحتويه من عادات وتقاليد لاتوجد الا على هذه الرقعة من العالم

Mohamed Ahmed
10.8.2008 10:55 [ 3 ]

Only God knows how much I long to those old good days in Basrah. With freinds , we used to drink about a liter of that lovely drink. And indeed if prepared inhealthy way it is cheap and benificial . It does contain substances good for our troubled hearts !

Many thanks for such writtings

أضف تعليقك

الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها فقط

( )

( الرجاء إحترام آداب النشر وعدم القذف والتشهير)