عند حافات الاهوار.. يوم طويل في حياة نساء القصب
Published 18.8.2008, 17:08
محمد الكاظم/ نيوزماتيك /الناصرية
مع أول شعاع يتسرب إلى الطبيعة البكر تستيقظ كائنات الهور المتسع، لتبدأ مشوارها اليومي في الحياة. ففي مثل هذه اللحظة لابد أن تستيقظ نساء الهور بلا أجراس، أو منبهات، أو ساعات، أو هواتف محمولة، أو موعد بث المسلسل المدبلج. فللنساء في أهوار الجنوب عالم خاص لا تعرفه نساء المدن.
سعال العمة وصوت الجواميس.. منبهات استيقاظ
أم عبد، 50 سنة، تسكن في كوخ من القصب على أطراف هور أبو سوباط، 80 كم جنوب غرب الناصرية مركز محافظة ذي قار، نحو 380 كم جنوب بغداد، تقول لـ"نيوزماتيك" إنها "تصحو قبل الفجر لتحلب الجواميس، ثم توقظ الجميع ليذهبوا إلى أعمالهم".
أما كميلة، 30 سنة، وهي زوجة الابن الأكبر فتقول إنها "تصحو عند سماعها سعال عمتها أم عبد صباح كل يوم، فتطلب منها ترك التدخين وترافقها لحلب الجواميس".
زوجة الابن الأصغر، التي اقترنت به حديثا، واسمها سمره تقول إنها "تصحو على صوت الجواميس وهي تلقي بنفسها في الماء".
يتمثل الجرس الأول لصباح سمرة في ارتماء فحل الجاموس في مياه الهور، لتتبعه بقية الجواميس الباحثة عن الطعام، فحيوان الجاموس الضخم يحتاج إلى هذا الحمام الصباحي ليبدأ بعده رحلة تناول الطعام المكون من البردي وسيقان القصب الذي يكثر وجوده في الأهوار.
تقول أم عبد إنها "توقظ جميع أفراد العائلة ليتناولوا فطورهم المكون من حليب الجاموس الطازج والخبز الساخن وبعض البيض أو القيمر (القشطة) المصنوع من لبن الجاموس".
وأثناء قيام المرأتين بحلب الجواميس لابد أن تنهض سمرة بسرعة لتعد الخبز، فحداثة عهدها بالزواج لا تغفر لها التأخر في النوم، وإلا أصبحت سخرية لجميع أفراد العائلة الذين يتغلبون على متاعبهم بالسخرية المحببة من بعضهم حيث لا يتجاوز عالمهم الحقيقي أكثر من بضعة أمتار من اليابسة تطفو على صفحة الهور الممتد لآلاف الكيلومترات من الماء والقصب.
تعد سمرة الخبز بواسطة التنور. وبعد تناول الفطور الجماعي يذهب الرجال إلى عملهم يركبون "الشختورة" أو "البلم" (زوارق نحيفة مطلية بالقار)، ويوغلون بها في أعماق الهور، ليسحبوا شباك الصيد التي نصبوها في الليلة الماضية أو لينصبوا شباكا جديدة، وقد يحمل أحدهم الأسماك التي تم صيدها لبيعها في المدينة. في بعض الأوقات يصيدون بواسطة "الفاله"، وهي رمح طويل بثلاث شعب يطلقه الصياد بحذر ومهارة على الأسماك الكبيرة وهي في الماء.
أما النساء فيتجهن في العادة إلى أعمال أخرى. أم عبد، المرأة الكبيرة المسنة، توزع الأدوار على نساء العائلة وصباياها وحتى أطفالها، فيتناغم الجميع في أداء أعمالهم بدأب: سمرة تنظف غرفتها التي لا تزيد عن كوخ صغير من القصب، ثم تركب الزورق النحيف وتوغل في الهور لتقوم بقص عيدان البردي وجمعها، لتكون وجبة أخرى للجواميس التي تستهلك الواحدة منها ما يصل إلى 200 كيلوغرام من العلف يوميا، ترافقها في مهمتها هذه بعض فتيات العائلة الصغيرات.
رحلة كل يوم
المهمة مضنية ومتعبة، فإحدى عشرة جاموسة تمتلكها الأسرة تحتاج إلى أكثر من طنين من العلف يوميا، لكن نساء الهور اعتدن على تلك الرحلة اليومية، حيث يقفن متوازنات في زورق لا يزيد عرضه عن نصف متر، ويمسكن بـ"المردي" وهو عمود طويل يغرزنه في طين الهور، ليدفعن الزورق الذي يتقدم في عمق المياه.
كميلة بدورها تأخذ كمية من القيمر( القشطة) التي أعدتها في وقت سابق من حليب الجاموس لتبيعها في سوق المدينة.
ويقول المختصون بالتغذية إن نسبة الدسم في قيمر الجواميس تصل إلى 10% ، وهي نسبة تعد من أعلى النسب التي يعطيها الحليب الطبيعي، لذلك يعتبر حليب الجاموس من أفضل الأغذية التي يمكن تناولها لتقوية العظام والأسنان، كما ينصح به لتسريع نمو الأطفال.
في العادة تبدأ الحياة في المدن بافتتاح المحال التجارية وأول شيء يفعله أصحاب المحال هو شراء طبق صغير من القيمر ليفطروا به، مع قدح شاي وصمون (خبز عراقي).
وما أن تنتهي كميلة من بيع ما لديها من قيمر، تتوجه إلى سوق المدينة لتشتري ما يلزم العائلة من احتياجات بسيطة قد يكون بينها بطيخ احمر (رقي) وبعض البصل، ثم تعود إلى بيتها. وبحكم معرفتها بالمدينة فإنها تأخذ معها أحيانا أسماكا كبيرة لتبيعها على زبائن خاصين بها يحبون أن يشتروا أسماكا طازجة بسعر معقول.
الخريّط.. دهشة الاطفال
أما أم عبد "عميدة الأسرة" فإنها تقضي الوقت في عدد من الأعمال الهامة لاستمرار العائلة كصناعة "المطّال" وهو أقراص من روث الحيوانات المخلوط ببعض القش أو بقايا القصب، يتم تجفيفها في الشمس لتستخدم فيما بعد كوقود. ففي تلك المناطق النائية حيث لا يتوفر الغاز أو النفط يتم الطبخ والتدفئة وإعداد الشاي على النار المشتعلة من تلك الأقراص.
وتقول أم عبد إنها أحيانا تقوم بـ"صناعة الخرّيط"، وهو حلوى تصنع من المادة السليلوزية الموجودة في عيدان القصب، وتشرح أم عبد لـ"نيوزماتيك"، طريقة صناعة الخريط قائلة "نأخذ القصب ونفتحه وهو طري، ونستخرج المادة البيضاء الموجودة في داخله ونسلقها بالماء ونضيف إليها بعض التوابل، ثم نصفيها في قماش ونتركها حتى تجف".
ويعد الخريط نوعا من الحلوى التي نجدها في كثير من المدن الجنوبية المحاذية للأهوار، ويدهش الآباء أطفالهم بهذا النوع غير المألوف من الحلوى التي تباع على العربات في أوقات متباعدة من العام.
حينما تعود كميلة من السوق تكون وجبة الغداء قد أعدت، وربما يعود زوجها حاملا بعض المال الذي حصل عليه بعد بيعه السمك، وقد يعود ببعض التبغ للعجوز.
وتعود سمرة بالبردي الذي جمعته لعلف الحيوانات، وقد يعود ناصبو شباك الصيد من عملهم حاملين بعض السمك، فيجتمع الكل ليتناولوا الغداء ثم يأخذون قسطا من الراحة استعدادا لجولة أخرى من العمل، فهناك دائما أعمال لابد من إنجازها.
قبل حلول الظلام
عند العصر تجتمع نساء البيت لخض الحليب لاستخلاص الزبدة، ففي كل منزل من منازل القصب المطلة على أهوار الجنوب عدد من ثمار القرع أو اليقطين المجفف والمجوف الذي يستخدم في خض الحليب، حيث توضع كمية منه في ثمرة القرع وتبدأ النساء بهزها باستمرار حتى تنفصل كمية من الزبدة فوق السائل الذي ينزع منه جزء من الدسم، تجمع الزبدة في كرات صغيرة، أما المتبقي من الحليب فيصنع منه القيمر واللبن الرائب.
وأحيانا يستعاض عن ثمرة القرع تلك بقربة مصنوعة من جلد الماعز، وقد يستعاض عن الاثنين باسطوانة معدنية يجري تثبيتها بحبال قصيرة على ثلاثة أوتاد، ثم أرجحتها باستمرار لفصل الزبدة. ومثل هذا العمل قد يستغرق ساعات، وكل ذلك من اجل صناعة منتجات الألبان الطبيعية الطازجة التي تمتاز بطعم ونكهة لا تتوفر في منتجات الألبان المصنوعة في المعامل.
في وقت العصر لابد من صنع شيء للأطفال، حيث تقوم العجوز بإعداد خبز الطابك، وهو نوع من الخبز يستخدم فيه دقيق الرز الذي يصنع على شكل سائل يصب على قرص حجري أو معدني ساخن فتتشكل فطيرة يرش عليها السكر، فيما تقوم النساء الأخريات بتجفيف السمك الذي لم يتم بيعه، حيث تشق الأسماك وتنظف ثم تعرض للشمس حتى تجف تماما، لتباع في وقت آخر او تطبخ كـ"مسموطة" بعد غليها في الماء وإضافة بعض التوابل ليكون حساء سمك يحمل له سكان الجنوب تقديرا خاصا.
قد يحمل مساء هور أبو سوباط رائحة سمك مشوي ينتقل في الفضاء الذي يبدأ بالهدوء والسكون مع تسلل أول خيوط الظلام. واستعدادا لوجبة المساء تنظف سمرة سمكة طازجة وتملحها ثم تضع فيها عودين طويلين تغرسهما في الأرض بالقرب من كانون نار مشتعل بفضل "المطّال" الذي صنعته أم عبد قبل أيام، فسكان الأهوار، والعراقيون عموما، يحبون هذه الطريقة في شي السمك، ويسمونه "المسكوف".
وبعد أن يتناول الجميع طعام العشاء يغطون في نوم طويل بانتظار صباح جديد.










تعليقات
2 comment(s) on this page. Add your own comment below.
السلام عليكم ..اشكركم على هذا التقرير الجميل والغني بتراث الاباء والاجداد الذي لم ولن ننساه .ولكن عندي تعليق بسيط حول الخريط الذي ورد ذكره في التقرير وطريقة عمله ..ان ما وصف عن طريقة صناعته تختلف عن مسمى الخريط الذي نعرفه اذ ان الخريط يستحصل عليه من اطراف تمار البردي وليس القصب حيث يجمع من كل برديه وهو عل شكل طحين ويجفف على حرارة الشمس ثم ينخل او يصفى بقطعة قماش ناعمه وبعد ان يتم تجفيفه تاتي المرأه بقدر او اناء نصفه ماء ويغطى القدر بقطعة قماش ويفرش طحين الخريط حسب السمك الدي يرغب به فكلما كان السمك خفيف صار الخريط اكثر طراوة المهم بعدها يغلق القدر ويجب ان يكون يكون الغطاء محكما ويتم احكام الغطاء اما بلصق الطين على اطراف القدر او العجين لمنع تسرب البخار فلا يستحسن استخدام اي نوع من انواع قدور الضغط الحديثه لان الخريط لايقبل بذلك المهم يعدان يتم احكام القدر يوضع على النار ويستحسن ان يكون علي مشعل من القصب الجاف وان يكون القدر على ثلاث مناصب وواحدة المناصب منصبه او تستخدم السيبايه وترك القدر على النار بعد ان يغلي الماء لنصف ساعه ثم يترك حتى يبرد الماء والقدر مغطى بعدها يزال الغطاء بعنايه ليتم بعد ذالك رؤية الخريط هذه هي الطريقه الاصليه والمتعارف عليها في الاهوار التي تعتبر المصدر الرئيسي لانتاج الخريط
وشكرا
لا بد من أن يكون الاخ صاحب التقرير محمد الكاظم شاعر رومنسي ذو احساس مرهف كي يستطيع أن يكتب تقرير يصف فيه التفاصيل الصغيرة والكبيرة بمثل هذه الروعة.. لا توجد أنامل تستطيع أن ترتب المفردات بهكذا أسلوب يجعل البعيد البعيد عن منطقة الأهوار يتخيل الأهوار كالذي يعيش فيها يصبح ويمسي معها.. هذا الاسلوب الراقي في الكتابة يجذب القارئ فلا يستطيع إلا أن يكمل المقال حتى النهاية وقد أخذته الدهشة والانفعال الكامل مع كل مفردة وكل تصويرة وكل همسة أو التفاتة.. أو ربما يكون محمد الكاظم قد تأثر بفلسفة أهوار العراق وتعشقت أحاسيسه بكل ركن وزاوية منها وتسربت تلك المناظر إلى قلمه فأدبه ف فنه في صف الكلمات.. على العموم هذا من المقالات المميزة جداً والتي تحكي صورة موثقة عن واقع يعيشه شريحة كبيرة من المجتمع العراقي الملون بألوان زاهية.. أتمنى يوماً واحداً أن أعيش في الاهوار أو أن أقضي وقتاً في نفس المكان الذي خالط التقرير.. يوماً واحداً من عمري وليذهب باقي العمر فداءأ لك يا عراق الحضارات... اختكم معيدية أم المعدان
أضف تعليقك
الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها فقط